منتديات قصر العلوم وثقافة العامة
اهلا وسهلا بالجميع معنا في المنتدى ان كنت زائرا فلا تتردد في التسجيل وان كنت عضوا فننتظر دخولك ولا تنسو ان تشاركونا بمواضيعكم وردودكم وتبادلكم الاراء
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته تعالى اهلا وسهلا بكم هذا المنتدى من أجل الارتقاء فلنحسن الانتقاء ولنكثر من العطاء منتدى تربوي تعليمي تثقيفي رياضي وكذلك للترفيه عن النفس وشامل لأشياء عديدة لا تنسو ان تكونو أعضاءا يساهمون في البناء ونفع الاخرين
اهلا وسهلا بالجميع معنا في المنتدى ان كنت زائرا فلا تتردد في التسجيل وان كنت عضوا فننتظر دخولك ولا تنسو ان تشاركونا بمواضيعكم وردودكم وتبادلكم الاراء


منتديات قصر العلوم وثقافة العامة سبيلك لنجاح والتفوق في حياتك كما يتيح لك منتديات قصر العلوم التسلية والترفيه زيادة على خدمات أخرى و من منتدياتنا ( الثقافة العامة، التعليم المتوسط والثانوي ، الشريعة الإسلامية ، ألعاب ، موسيقى ، برامج حاسوبية ، ........)
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 دعوة إلى الحياة..4

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
rabah jsk
نائب المدير
نائب المدير
avatar

عدد المساهمات : 182
تاريخ التسجيل : 17/01/2010
العمر : 25
الموقع : rabah09@maktoob.com

مُساهمةموضوع: دعوة إلى الحياة..4   11.05.10 1:32

وكان فجر العامرية..


صباح اليوم اللاحق انتشر انتشار النار في الهشيم نبأ هز العراق من أقصاه إلى أقصاه..
((لقد قصفوا ملجأ العامرية))
لم تصدق سميرة ولا أمها ولا الخال ولا وداد.. ذلك النبأ المُروِّع..
كيف يقصف ملجأ لا يضم غير المدنيين من النساء والأطفال والشيوخ... إن القوانين الدولية تحرم مثل هذا العمل الهمجي.. لكن فلسفة العدوان تقول مثلما تسقط الصواريخ على البيوت لتدمرها وتقتل من فيها.. أو على بيوت الشعر في البوادي.. يمكن أن تسقط على الملاجئ..
راحت أم سميرة تنحب وتكرر الدعاء.. رحمتك يا رب.. أرجو ألا تكون أحلام وصغارها قد ذهبوا الليلة الماضية إلى الملجأ.. أرجو أن يكون صلاح قد قضى الليلة الفائتة في البيت.. يا رب.. لا منجد لي غيرك.. فيما بدأت سميرة، والقلق يعصر فؤادها، تساعد هناء وسعد في تغيير ملابسهما.. وتعيد حقيبتي حاجياتها وحاجيات الطفلين.. وكذلك حقيبة والدتها إلى صندوق السيارة على عجل.. استقلوا السيارة جميعاً.. استقل الخال ووداد سيارتهما واتجهوا إلى بغداد.. والدموع لا تتوقف لحظة واحدة عن الانهمار من عيني الأم طيلة الطريق.. ودعاء صامت يرتفع إلى السماء.. يا رب رحمتك.. يا رب أنت المستعان.. ولا معين غيرك..
دمعة آسية كانت تلوب في عيني سميرة يلوح من خلالها ويخبو أمل يائس.. لعل أحلام لم تذهب إلى الملجأ.. لكنها قالت إنها ستذهب والصغار.. ربما عاد صلاح إلى البيت.. وهو حين يكون في البيت لا تذهب أحلام إلى الملجأ.. ولكن.. كيف يستطيع العودة إلى البيت في هذه الظروف وهو طبيب عسكري عليه أن يكون في المستشفى كل الأوقات؟! علَّ أحلام وصغارها قد نجوا من المحرقة.. وتنبعث في ذهنها عبارة قالتها:
((لا يمكنك أن تقولي.. ملجأ.. بل مهرجان أو احتفالية))
تُرى.. ما الذي حل بهم.. داليا.. مية.. سلام.. وحبة العين رشا التي لم تكد تجتاز عتبة السنة الأولى.. ماذا بشأنها.. ما الذي حصل لها.. كانت تحبو نحوي مجتازة كل ما يقف في طريقها.. تناغي كحمامة.. كأنها تريد أن تقول شيئاً.. تتشبث بي.. بأذيال ملابسي.. تحتضن ساقيَّ وهي ترفع رأسها إليَّ.. ((ألا ترفعيني)) وحين أحملها.. تلصق خدها بخدي.. تمد سبابتها الصغيرة في عيني.. في فمي.. في أنفي.. أبعد سبابته الصغيرة عن وجهي.. فتبتسم.. إيه يا رشا.. أين أنت الآن؟!
كانت أطيافهم تروح وتجيء أمام ناظريها وهي تقود السيارة بأسرع ما تستطيع مستعجلةً الوصول إلى بغداد.. أكان ذلك نداء القدر الذي لا رادَّ له.. هل أتجاوز حدود الأمل لو تمنيت على الله أن ينجيهم هم وجميع من كان في الملجأ؟ كيف؟ أأطلب المستحيل.. يا رب.. أنت قادر على كل شيء.. ارفق
بنا وبهم..



حين وصلت بغداد اتجهت فوراً نحو ملجأ العامرية.. كتل متراصة من دخانٍ أسود كثيف حجبت عين الشمس، كانت تتدحرج متصاعدةً، تنطلق من بين ثناياها السنة لهب تسابق الريح وهي تتلوى في الجو كالأفاعي.. دفقات من حرارة حارقة كانت تلسع وجوه الحشد المستمر بعيداً عن الملجأ والجزع يتدفق من العيون.. انخلع قلب سميرة.. ترى أين هم الآن في هذه المحرقة.. أذابوا كلهم؟! احترقوا؟! وفي لحظات الرعب تلك، ماذا قالت أرواحهم؟ كيف جابهوا الحرائق والنيران وعصف الصواريخ والموت؟! أماتوا كلهم مرة واحدة؟ يا لعذابهم.. ويا هول ما جرى.. لكن لِمَ استعجل الأمور؟ ربما لم تذهب أحلام.. ولم تأخذ الأحبة الصغار.. سأذهب إلى بيتها.. قد تكون هناك.. استدارات.. وإذا بها وجهاً لوجه أمام صلاح.. وابن خالته، خطيب أروى، ووالد أروى.. والرعب يندلق من عيونهم.. فهمت كل شيء.. إذن.. أحلام وصغارها.. أروى.. وأم أروى.. وأهل صلاح.. كلهم كانوا هنا.. في العامرية..
وراحت تنوح بصمت وتلطم رأسها بكفيها والدموع تتدفق من عينيها.. وجرح عميق ينز في قلبها دماً.. قبل أيام قلائل.. احتفلوا بعيدها الأول.. ماذا حل بك يا رشا.. حبيبة قلبي..
انكمش الجلد.. تشقق وتمزق.. ذاب اللحم.. ذابت العظام واستحالت رشا بخاراً تاه وسط العصف والنار والدخان والدم.. لم يبق منها شيء.. من جسمها الطري.. لا أشلاء.. لا أيدي.. لا سيقان.. رشا الحبيبة صارت بخاراً..
أواه يا رشا.. كيف أحتمل جسمك الغض كل هذا الهول؟! وأحلام؟
أحلام؟ انفصل الرأس عن الجسد بنصل شظيةٍ من فولاذ. لفته غيمة من دخان أسود متكثف تلتمع من خلاله نصال نار وشرار.. ارتطم الرأس بجدار الملجأ قبل أن يستحيل صورةً شبحية متفحمة انطبعت على الجدار تحف به ظلالٌ سوداء.. ربما هي وجوه داليا.. مية.. سنار.. وسلام.. والموت يطل من عيونهم الحزينة المرتسمة على الجدار.. أجساد ذائبة امتزجت بصهير الفولاذ وذوب الأكف والأيدي والرؤوس.. بالجثث المقطعة.. بالدم.. بالقيح.. بالحياة التي أزهقت في كل زاوية.. في كل منعطف وممر.. كلهم.. كلهم صاروا بخاراً.. هلاماً أو دخاناً تصاعد نحو سماء خرساء..
وسنار؟ قيثارتي الجميلة.. سنار التي كانت تتباهى باسمها الغريب.. ورفيقاتها وصديقاتها في المدرسة كن يسألنها:
ـ معنى سنار؟ أهي كلمة عربية؟
ـ لا أدري.. يوماً سألت أمي: ماما.. ما معنى اسمي.. سكتت متحيرة.. ثم قالت: لا أدري.. أبوك اختار اسمك.. قال إن لـه رنيناً موسيقياً.. كنغم ينساب من قيثارة سومرية..



حكت لي سنار يوماً هذه الحكاية وهي تكاد تموت ضحكاً.. حتى إنني ضحكت لضحكتها المنسابة من قيثارة سومرية.. والتي تشبه العدوى.. فحين تضحك سنار.. يضحك كل من كان بالقرب منها دون أن يعرف سبباً لضحكتها الحلوة التي تنساب كساقية رقراقة من فضة وذهب..
ـ خالتي.. أنا سنارة!
تساءلت وقد أخذني العجب:
ـ صنارة؟! كيف؟!
قالت:
ـ أجل.. أنا سنارة...
ـ قولي لكيف صرت صنارة؟!
ـ صديقتي رُلى قالت إنها تعرف ما معنى سنار. فقلت لها، أنا وصديقاتي، كيف عرفت؟ قالت:
ـ سألت أمي ما معنى سنار؟ بهتت أمي ثم ضحكت وقالت: إنه على وزن منار أو فنار.. ربما كان ((سنارة)) فحذفوا تاءها المربوطة، وصارت ((سنار)) هذا كل شيء.. ولكن لِمَ لم يسموها منار مثلاً أو فنار؟ قلت لا أدري.. إنها سنار...



أين أنت الآن يا سنار.. أهلاماً صرت أم بخاراً.. أم غباراً...



وفي فجر العامرية.. كانت حكايات.. وحكايات.. وترانيمُ صمتٍ تفيض بها الدموع.. حزينةً كانت عصافيرُ فجرٍ لم يأت لـه صباح.. ملتاعةً بلابل العامرية.. وفراشات تبكي زهوراً تسربلت برمادٍ يشع بدل العطر موتاً وفناء.. وعلى أنينٍ سرى في الأرض كمداً.. أفاق الشجر أسيان تهفهف أوراقه شجناً شجياً.. وفي ذلك الفجر.. فجر العامرية لم تشرق الشمس أبداً.. أبداً.. أبداً..
زرافات.. زرافات... تعد ألفاً ومئات خمساً قد تزيد أو تنقص قليلاً.. جاءوا قبل أن تذوب الشمس عند أفق العامرية.. تُردِدُ الشوارع همس حكاياتهم.. رنين ضحكاتهم.. وحكاياتِ حب تزهر خفاقةً بين الضلوع.. وتحمل منهم أثار أقدامٍ تسارع الخطو نحو العامرية.. هرباً من الموت نحو الفناء.. حاملين معهم من المأكل والشراب ما يصل بهم مطلع شمس يوم آتٍ.. وفي الدروب التي ساروا عليها.. ترك الصغار أصداء ضحكاتهم الغضة.. وحكاياتٍ بريئة عن قلائد من زمرد و ياقوت وبلور وزجاج ملون.. وخواتم تناغي أصابعهم الطرية.. وعن أساور وكراتٍ ولعبٍ وشرائطَ شعر خضر وزرق وبيض وحمر.. وقراصاتٍ من نرجس وياسمين تتلألأ في شعورهن كما النجوم في ليلة دهماء غاب عنها القمر... وأعيادِ ميلاد ستأتي بأفراحٍ وهدايا وأحلامٍ تزوغ عاماً بعد عام في زوايا السنين الآتيات...
في ذلك المساء... دخلوا أفواجاً أفواجاً.. بطن الحوت.. وانغلقت الأبواب.. وتناثرت الكلمات والحروف.. والبسمات تطوف على الوجوه.. وحكايات عن الماضي السعيد.. وعن الغد الذي ظنوه آتٍ بأحلى الأمنيات.. وجاء الليل ومضى.. إلا من وقيدٍ يشعل النار في ليل بغداد ناثراً الموت بلا قيود.. بلا حساب.. بلا حدود.. وقبل الفجر.. قبل أن تزقزق العصافير.. وقبل أن تشدو البلابل.. جاء نذير الموت ممتطياً صهوة صاروخٍ يحمل على متنه احتضارات جنون التكنولوجية...
وفي فجر العامرية.. قامت القيامة في بطن الحوت.. ارتجت الأرض.. وانشقت السموات.. وانطبقت الأبواب فما عاد هناك من يقدر على فتحها من الإنس أو الجن أو الملائكة الأبرار.. ليسيح الموت كما يشاء والنار كما تشاء.. واللهب كما يشاء..
سدف من دخان أسود تتدحرج صعوداً نحو السماء.. زئير وعصف مدو.. وحقد ونفط وصهير فولاذ يجرف بذوبه الدافق أشلاء ممزقة ورؤوساً تفحمت لا أحد يعرف أي جسد كان يحملها.. أكفاً مهشمة.. بقايا أجساد مقطعة استحالت ذوباً اختلط بنجيع الدم المراق في العامرية.. ثمة أيد استطاعت، في ذلك الجحيم.. أن تصل الأبواب..
وراحت تدق الأبواب.. تدق الأبواب.. دون مجيب.. حتى أخرسها موت جميل حمل على نصاله مباهياً:
بشائر صمت الأبدية...
ولم يبق في العامرية غير بيوتٍ خلت من ساكنيها وأخرى يطوف في حناياها أنين وآهات تنز أسىً في ذلك العماء.. وعيون تسح دماً وذكريات تأبى الرحيل وهي تلملم العذاب والأسى في ذلك الفجر الحزين.. فجر العامرية الذي لم تشرق الشمس في سمائه أبداً.. أبداً...

***
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://rabah09@maktoob.com
 
دعوة إلى الحياة..4
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات قصر العلوم وثقافة العامة :: العباقر والمتفوقين :: حكايات ونكت-
انتقل الى: